(وقفة حول تفسير النفجان عبارة عناية الدواسر بالخيل)


بسم الله الرحمن الرحيم
وقفة حول تفسير النفجان عبارة عناية الدواسر بالخيل

قبيلة الدواسر كغيرها من قبائل الجزيرة العربية لها عناية بالخيل العربية الأصيلة؛ وهذا ما تذكره المصادر القديمة والحديثة ولست هنا بصدد جمع تلك النصوص وما أكثرها, ولكن استوقفني كتاب من الحجم الصغير للأستاذ / أيمن بن سعد النفجان بعنوان ” من أخبار البادية في نجد 500 ــ 850هـ ” المطبوع سنة 1430هـ حول تربية الدواسر للخيل.
وإليكم النص الوارد في هذا الكتاب في موضعين :

(1) الموضع الأول ص 29 تحت عنوان علاقة البادية بالدول :

قال النفجان : (أما بادية اليمامة والغالبية العظمى من قبائل نجد فهم من غير عرب الطاعة , ولا تصدر لهم المخاطبات من السلاطين , إلا أنهم تحالفوا في بعض الأزمنة مع عرب الطاعة, وإن كان للبعض منهم علاقات مع السلاطين؛ومن الأمثلة على ذلك ما كان يكلف به الدواسر من تسمين {هكذا} للخيل) ومصدره في العبارة الأخيرة كتاب صبح الأعشى لأبي العباس أحمد بن علي القلقشندي (ت821هـ ) (ج 5/ص58) .

(2) الموضع الثاني ص 46 تحت عنوان الحياة الاقتصادي :
قال النفجان: ( ومن أبرز صادرات نجد في تلك الحقبة الخيل التي اشتهرت به الجزيرة العربية بشكل عام ونجد بشك خاص, فكان لسلطان مصر خيل تسمن {هكذا بالنون} لدى قبيلة الدواسر). ومصدره كتاب” أصول الخيل العربية الحديثة ” للشيخ حمد الجاسر رحمه الله ص 103.
فأقول تعليقا حول هذين النصين وبالله التوفيق ومنه استمد العون و التحقيق :

إن الكاتب وقع في التصحيف ,وموضوع التصحيف تناوله الإمام السيوطي في كتابه” المزهر في علوم اللغة وأنواعها” وبوب له بابا بمسمى” معرفة التصحيف والتحريف” قال رحمه الله : (قال المعري: أصل التصحيف أن يأخذ الرجل اللفظ من قراءته في صحيفة ولم يكن سمعه من الرجال فيغيّره عن الصواب. وقد وقع فيه جماعةٌ من الأجلاء من أئمة اللغة وأئمة الحديث، حتى قال الإمام أحمد بن حنبل: ومَنْ يَعْرَى من الخطأ والتصحيف) انتهى.

أعود فأقول : أن الأستاذ أيمن صحف كلمة (تسمى) إلى (تسمن) , وبنى على ذلك كتابته ,وخلاصة رأيه وما يُفهم منه أن جعل قبيلة الدواسر ساسة للخيل تمتهن تسمينها وتربيتها خدمة لسلاطين مصر في عهد المماليك, بينما الأمر خلاف ذلك؛ فهم مُلّاك خيل عتاق وذو مكانة عالية وشأن عند السلاطين و القبائل العربية لما سيأتي .

وبالرجوع إلى المصادر التي اعتمد عليها الأستاذ أيمن للتحقق في حكمه على القبيلة يتضح الآتي :

(1) لم أجد النص الأول ألبتة في كتاب “صبح الأعشى “حسب الطبعة المصرية وهي معتمدة في مراجع كتابه, ولم أجده كذلك في الطبعة اللبنانية، لا في عزوه للجزء الخامس من الصفحة الثامنة والخمسين, ولا في الكتاب ككل .

(2) وجدت النص في كتاب آخر للقلقشندي والمسمى ب “نهاية الأرب في معرفة قبائل العرب” ص 129 برقم 394 ولعل الأستاذ خلط بين الكتابين لكون المؤلِف واحد, وعزاه لغير مصدره معتمداً على الذاكرة وقد خانته,ثم هذا النص مغاير لرواية الأستاذ , ومخالف للكتب المطبوعة سواء الطبعة المحققة من قبل إبراهيم الإيباري والأخر غير المحققة .

(3) وبالرجوع لكتاب ” نهاية الأرب ” المخطوط حسب النسخة الموجودة في مكتبة الأمير سلمان بن عبد العزيز بجامعة الملك سعود رقم المخطوط (2091) وجد الأمر كذلك . واليكم النص المطبوع والمخطوط, قال القلقشندي : ( الدواسر بطن من العرب باليمن ذكرهم المقر الشهابي ابن فضل الله في التعريف بالمصطلح الشريف وقال : ” إنه كان يكتب إلى رجال منهم بسبب خيل تسمى {هكذا } للسلطان عندهم, وأنه كان يكتب إليهم بحسب ما يظهر بالاستخبار من مكانة الرجال ) انتهى .

ويلاحظ ورود الكلمة المعنية بالتصحيف (تسمى) هكذا بالألف المقصورة بمعنى تُذّكر في الكتب المطبوعة والنسخة المخطوطة, ولم أجد في الكلمة حرف النون المزعومة .

(4) وبالرجوع لكتاب التعريف بالمصطلح الشريف لابن فضل الله العمري (ت 749هـ ) للتأكد من نص القلقشندي ـــ لكونه ناقلاّ منه ـــ اتضحت الموافقة بينهما في عبارة (تسمى), ومخالفة الأستاذ لهما بعبارة (تسمن)، وهذا هو النص الوارد عند ابن فضل الله ص 110: ( وممن يكاتب من عرب اليمن : الدواسر وزبيد, كان ذلك إلى رجال منهم بسبب خيل تسمى {هكذا أيضا} للسلطان عندهم, وكنا نكتب إليهم على قدر ما يظهر لنا بالاستخبار عن مكانة الرجل منهم, وكلها ما بين المجلس السامي الأمير وما بين مجلس الأمير ليس إلا )انتهى.
وزبيد المعنية في قول ابن فضل الله هي فرع من قبيلة مذحج وهي قبيلة قحطان اليوم , وقد أورد المستشرق جون بوكهارت ( ت 1816م) في كتابه ” البدو والوهابية ” ترجمة محمد الأسيوطي ص 183 كلاماً يوافق ذلك ,قال : (هناك وفرة عددية في الجياد في السهل الشرقي بين بيشة ونجران , وتشتهر قبيلة قحطان القاطنة تلك الناحية؛ بامتلاك الجياد الممتازة, ونفس الأمر ينطبق على قبيلة الدواسر ) .

(5) وبالرجوع أيضاً لمصدر الأستاذ في النص الثاني وإن كان حديثاً؛ وهو كتاب “أصول الخيل” للجاسر لم أجد ما يشير إلى موضوع التسمين , بل نص على عبارة (تسمى) نقلا من كتاب التعريف .بل قال رحمه الله : ( الدواسر إحدى قبائل هذه البلاد المنتشرة في جميع جهاتها, والتي لها في عصور الفروسية الأخيرة, ما هو متناقل ومعروف, من الأشعار والأخبار, مما يدل على أنها كانت ممن يقتني الخيل, ويرتبط الأصايل والعتاق منها, منذ عهد قديم, فقد ذكر ابن فضل الله العُمري وهو من أهل القرن السابع الهجري أن سلطان مصر في عهده كان يكتب إلى هذه القبيلة بشأن خيل للسلطان، مما يدل على عنايتهم بتربية الخيل, وصلتهم بالملوك في ذلك العصر بشأنها , (ثم ذكر نص ابن فضل السابق وفيه عبارة تسمى) .

هذا بالنسبة للنصوص المعتمدة في هذا الموضوع .ولو تفكرنا قليلا لا تضحت لنا أمور تدعونا إلى استنكار وردّ قول الأستاذ النفجان؛ لاعتبارات منها :

(1) هل يعقل أن يرسل السلطان المملوكي خيله من مصر بلد الأنهار والمزروعات بأنواعها ومنها الأعلاف وما يصلح به شأن الخيل لتسمينها إلى بلاد نجد ووادي الدواسر الصحراويتين في مجملها ؟؟
هل يعني هذا إصابة مصر في تلك الأزمنة بسنيين كسنيّ يوسف عليه السلام !! أم هل يُقال بأن نجدا أخصب من مصر أتمنى ذلك وهو بعيد ؟

(2) وهل ستتحمل الخيل الهزلى عناء ومشقة السفر البعيد من مصر إلى نجد للعناية بها أعتقد أن صاحبنا أبعد النجعة ولسان الحال يقول :
أيها المنــكح الثـريا سهيــلا ** عمرك الله كيف يلتقيان
هي شامية إذا ماستقلت ** وسهيل إذا استقل يماني
(3) ولو قلنا بأن الخيل تسمّن عندهم, ثم تنقل , لبدرَ لنا سؤال آخر : هل الساسة ومن يقوم بشؤون الخيل يعُدون أهل مكانة تجلهم بسبب ذلك السلاطين ؟ وبماذا نفسر عبارة ابن فضل الله : (وكنا نكتب إليهم على قدر ما يظهر لنا بالاستخبار عن مكانة الرجل منهم) !.

أقول مما سبق من نصوص ومن رجوع للمصادر الأخرى: يترجح أنهم أهل اقتناء للخيل وملاك للعتاق منها, لا ساسة وخدم لها تبعا للسلطان .قال ابن المجاور (ت690هـ) في كتابه “صفة بلاد اليمن ومكة وبعض الحجاز” والمسمى أيضا ” تاريخ المستبصر” ص 231 عن مال أهل نجد : ( وينقسم أموال هذه البلاد على فرقتين : الضأن وبعض الإبل والخيل، فأما الإبل والضأن يستقونهم قوم يقال لهم الشاوية , وبعض الإبل والخيل يستقونهم الدواسر, ولم يعرفوا غير هذا المال شيئا آخر يعني مثل المعز والبقر والثيرة والحمير والبغال . والآن ينزل البدوان حول القصور ببيوت الشعر والخيل والإبل والغنم وهم أهل جود وعطاء وكرم مأكولهم لحم الإبل, ومشروبهم الحليب ,وركوبهم الخيل, وبيعهم وشراؤهم الخيل والإبل ,ولبسهم الخام. وهم أهل قوة وفصاحة ويدورون الفلاة وراء الأموال والنعم لا يؤدون قطعة ولا يعرفون خراجاً) انتهى.

وقال الشيخ محمد البسام (ت1246هـ ) في كتابه” الدرر المفاخر” ص 92: ( الدواسر هم قبيلة مشهورة, ذات سداد واعتداد ومحافظات على عقب الجياد, ذوو كرم وافر وإقدام متكاثر, عدد سقمانهم ثمانية آلاف سقماني, وخيلهم ألف وخمسمائة ) انتهى.

وبعد هذا فلا غرابة لامتلاك قبيلة الدواسر العتاق من الخيل ؛ وإن كانت العناية بها قلت في الأزمنة المتأخرة حالها كحال غيرها من القبائل , فهاهي القبيلة لا زالت حتى هذه اللحظة تمتلك صنو الخيل من نجائب الإبل وتحافظ عليها حتى طارت شهرتها في الجزيرة العربية وخارجها؛ فإن قيل ناقة دوسرية فحسبك بها نجابة وأصالة وجمالاً.

أخيراً آمل من الأخ الكاتب الأستاذ أيمن النفجان حفظه الله إعادة النظر فيما كتب وتصحيحه مستقبلا , وهذا ما نأمله من الباحثين الواقفين عند النصوص, والأستاذ أحسبه منهم وهو فاعل إن شاء الله .

وكتبه
الباحث التاريخي

الشيخ /مسفر بن محمد الشرافي الدوسري 
الرياض في تاريخ 15/5/1432هـ

المصادر :