نجد وأخبارها في كتاب (تحفة الأسماع) للجرموزي (1003-1076هـ)

تحفة الأسماع) للجرموزي (1003-1076هـ)
خالد بن زيد بن سعود المانع

تُعد تواريخ البلاد العربية المحيطة بالمملكة أحد المصادر التاريخية غير المباشرة لمنطقة نجد؛ إذ ربما تجد فيها من النصوص والإشارات ما يسلط الضوء ويكشف حقيقة تاريخية غامضة في فترة زمنية لم يتسنَ لمؤرخي المنطقة تغطيتها والكتابة عنها.
وتختلف قيمة هذه المصادر باختلاف مؤلفيها وبلدانهم وعلاقاتهم بالمناطق المجاورة، وسعة إدراك المؤلف واطلاعه، وقرب المؤلف وبعده عن صنع القرار السياسي لدولته.
إن بلاد اليمن السعيد وما سجله علماؤها من تواريخها كثير جداً، ويصل الى المئات من المؤلفات، والتي سنجد في ثناياها كثيراً من الأمور المتعلقة بنجد مباشرة أو بالقبائل التي تسكن نجداً، وكانت مستوطنة فيما مضى بلاد اليمن او ما جاورها.
ومن الكتب اليمنية التي مُلئت بهذه الأخبار كتاب (تحفة الأسماع والأبصار بما في السيرة المتوكلية من غرائب الأخبار) وهو سيرة لإمام اليمن في وقته المتوكل على الله اسماعيل بن القاسم (1019 – 1087هـ)، وقد سجل هذه السيرة المفصلة المؤخر المطهر بن محمد بن أحمد بن عبدالله الجرموزي (1003-1076هـ). وقد صدر عام 1423هـ – 2002م عن دار الإمام زيد بن علي الثقافية في صنعاء بدراسة وتحقيق الأستاذ عبدالحكيم بن عبدالمجيد الهجري.
وقد جاء هذا الكتاب في مجلدين، وناهز الألف صفحة، معتمداً محققه على خمس نسخ مختلفة، تكلم عنها في مقدمته للكتاب التي قاربت 100 صفحة، والتي تحدّث فيها أيضاً عن المؤلف ومكانته وكتبه التي ألّف، ومنهجه في الكتابة.
وقد ختم الكتاب ببعض الملاحق والخرائط (غير الدقيقة) ثم بالمراجع والفهارس، إلا أنه خلا من كشافات للإعلام، والأماكن والقبائل، التي تعد أمراً أساساً في تحقيق الكتب التاريخية.
ان كتاباً بضخامة (تحفة الأسماع)، وعدم ترتيب تواريخه، وشحنه بكثير من خطابات ونصائح الأئمة الزيدية في اليمن، والتي تصل احياناً الى عدة صفحات، يستوجب من المحقق وضع كشافات تريح القارئ من عناء البحث عن المادة التاريخية.
لست بصدد إبداء الملاحظات على تحقيق هذا الكتاب، ولا على مقدمته التي كتبها المحقق، ولا على المواضع التي اخطأ في تحديدها، إذ اني سأنشر دراسة تفصيلية عنه في مجلة متخصصة، ولكني سأذكر ما أورده المؤلف عن منطقة نجد وبلدانها حسب المناطق والقبائل:
أ- الأفلاج:
ذكر المؤلف قدوم الشيخ (غنام بن رشود الجُمَيلي) من بلاد (البديع)، وهو أمير نصفها. وكان قدومه على سيف الإسلام أحمد بن الحسن (من بيت أئمة اليمن) في ربيع الآخر عام 1074هـ إثر خلاف مع مشايخ (الشثور) أهل (ليلى) وهم:
1- محمد بن معني العريزي.
2- سيف بن محمد.
3- هلال بن فراس.
فأرسل معه الشيخ الفقيه (أحمد بن ناصر الحيمي) الذي وصل معه الى (البديع) فذكر الفقيه أنها بلدة كبيرة لها ثلاثة أسورة، وفيها ثلاثة حصون، ويسكنها ألف رجل فطلب منهم البيعة فبايعوا، وخطب فيها لإمام اليمن.
ثم دخل بلد (الشثور) المسمى (ليلى) فوجدهم أحسن الناس طريقة واستقامة وامتثالاً لإمام اليمن وولده الصفي، واستقر عندهم (الفقيه) وتزوج عندهم واظهروا الطاعة، ثم توجه الفقيه الى الحج.
كما يذكر أن إمام اليمن أصحب الفقيه كتاباً الى مشايخ الخديمات أهل الروضة (1).
ب- الخرج:
يُذكر أن إمام اليمن بعث في نحو عام 1074هـ رسائل مع الفقيه أحمد بن ناصر الحيمي إلى:
1- (آل عثمان) من اليمامة المعروفين في (الخرج).
2- مشايخ (آل حسين) من اليمامة أيضاً.
3- الشيخ (تركي) واخوته من اليمامة.
كما ذكر ان الفقيه احمد الحيمي بعد استقراره في (الأفلاج) لم يتيسر له دخول (اليمامة) لكن اتفق بالشيخ (محمد) صنو الشيخ رأس اليمامة في (مكة) أثناء موسم الحج (2).
ج- قبائل البادية على طريق اليمن وفي نجد:
أرسل الإمام أيضاً رسائل لهم مع الفقيه (الحيمي) عام 1074هـ، وهم كل من: يام، بني هاجر، المخضبة، المعضة، الدواسر، السهول، لام.
د- قبيلة الدواسر:
وقد أرسل لهم إمام اليمن رسائل مع الفقيه (الحيمي) عام 1074هـ الى الدواسر(3).
وقد روى المؤلف عن الأمير ياسين بن الحسن في (صعدة) ببلاد اليمن عن صاحب له من أعيان أهل (الدواسر) اسمه (مضمون)، كان محله يجمع ثمانين فارساً، وعن غزوة كانت عليه وعلى قبيلته مع (بني خالد)، وصلحه معه على مبلغ من المال (4).
هـ- قبيلة بني خالد:
وقد جاء ذكر هذه القبيلة في عدة مواضع وهو يصف هذه القبيلة وقوتها قبل احتلالهم للأحساء وسيطرتهم على (نجد)، فينقل عن عبدالقادر بن نعمة الله الحسني مرسول (حيدر نبق) و(محمد باشا) ولاة الأحساء عن علو صيت هذه القبيلة وشهرة نسبهم، وان من خصائص قبيلة بني خالد ألا يرسوا إلا رأسا واحدا، فهم لا يغلبون لاجتماع كلمتهم، وكثرة عددهم فإن خيلهم نحو ثمانية آلاف.
ويذكر نقلاً عن عبدالقادر بن نعمة الله ان سلطان الروم وغيره من السلاطين يهابون القبيلة (5).
وقد ذكر المؤلف ان (بني خالد) قبل احتلاهم الأحساء كانوا يشنون غارات على نجد ويدخلون في أعماقهم الى ان يصلوا مشارف اليمن، فقد اشار الى انهم خرجوا نحو ألف فارس غزاة الى أطراف (نجران) مما جعل طريق اليمن – اليمامة يتوقف بسبب الحرب، ثم اورد ما ذكره سابقاً الأمير ياسين بن الحسن عن الأمير (مضمون) من أعيان أهل (الدواسر) الذي كان محله يجمع ثمانين فارساً.. وكان (الدواسر) من القوة حتى انهم لا يظنون أن غريباً يطمع في سرحهم إلا بوجه السرقة من المراعي.. حتى قدم لهم (آل خالد) في خسمائة فارس بقيادة (أسعد) فاصطلحوا على مال ثم انصرفوا عنهم (6).
كما ان المؤلف ذكر هذه القبيلة في حديثه عن حاكم (مكة) الشريف (فهيد بن حسن بن ابي نمي) حينما احتال عليه الاشراف واخرجوه من (مكة)، فصار الى مشارف الحجاز ونواحي العراق يغري العصاة لأجل الاطماع، ثم انه غزا قوماً من (بني خالد) فأخذوه أسيراً، واصطفوا أمواله وأولاده فهام على وجهه الى صاحب الروم وبقي عنده حتى هلك (7).
و- الأحساء:
جاء ذكر الأحساء مراراً في هذا الكتاب نتيجة للمراسلات بين إمام اليمن (إسماعيل بن القاسم) وبين والي الاحساء (محمد باشا)، وكان هناك عدة رجال يقدمون من الأحساء يحملون هذه الرسائل، ويصلون الى ديوان إمام اليمن، ومنهم:
1- يحيى الحساوي: كان يتردد الى حي (المؤيد بالله) عام 1051هـ(8)، وكان يصل بكتب الباشا والي الأحساء، وقد تعوق في (صعدة) أياماً باليمن أثناء غزو (بني خالد) اطراف نجران فخاف منهم (9).
2- السيد الشريف (عبدالقادر بن نعمة الله الحسني) من بني حسن من اشراف مكة، كان مقيماً بالأحساء، ويرسله (حيدر نبق) و(محمد باشا) والي الأحساء سفيراً لإمام اليمن يأتي بهديتهم ومعه الاثقال والأمتعة.
كان رجلاً حسن الشارة، جميل الأبهة، عذب الناشئة، غزير الحفظ للأدبيات، محسن في الشعر غاية الإحسان (10).
قدم اليمن عام 1059ه، فصار له مع إمام اليمن مراجعات ومحاورات، وكان الإمام جهزه الى الباشا المذكور، إلا أنه توفي في مدينة (شهارة) باليمن، فصلى عليه (الإمام)، ودفن في (السرارة) ب(شهارة) في صرح المسجد، ثم انفذ الإمام اصحابه بعد ان احسن إليهم كثيراً واعطاهم جماً غفيراً (11).
3- الشيخ الرئيس (راشد بن درع) من أهل بلاد الأحساء، وصل الى الإمام عام 1060 هـ، وعظمه الإمام كثيراً، وتحمّل كتباً من الإمام الى بلاده وما يواليها، فصار هذا الشيخ المذكور في حكم الداعي الى الإمام (12).
ز- القطيف:
وفد بعد عام 1051هـ الى الإمام في صنعاء ولاة القطيف (الحسن بن صدري)، و(الحسين بن صدري). ولم يفارقا مقام الإمام إلا نادراً ورويا أخباراً عن (بني خالد) تتفق مع أخبار السابقين (13).
وأخيراً: فإن كتاب (تحفة الأسماع) للجرموزي تفرد بأشياء مهمة في فترة قلت فيها المصادر التاريخية عن المنطقة، وقد قمت بالحديث مطولا عما ذكره عن بلاد نجد وقبائلها وبسطت الكلام في مقالة (نجد وبلدانها في مؤلفات الجرموزي) والتي سأنشرها بإذن الله في (مجلة العرب) لتخصصها في هذا المجال.
الهوامش:
1- تحفة الأسماع والأبصار، ج2،ص 965.
2- تحفة الأسماع والأبصار،ج2،ص 966.
3- تحفة الأسماع والأبصار،ج2،ص 966.
4- تحفة الأسماع والأبصار،ج2،ص 640.
5- تحفة الأسماع والأبصار،ج2،ص 640.
6- تحفة الأسماع والأبصار،ج2،ص 640.
7- تحفة الأسماع والأبصار،ج2،ص 315.
8- تحفة الأسماع والأبصار، ج2،ص 666.
9- تحفة الأسماع والأبصار، ج2،ص 640.
10- تحفة الأسماع والأبصار،ج2،ص 643.
11- تحفة الأسماع والأبصار،ج2،ص 968.
12- تحفة الأسماع والأبصار،ج2،ص 969.
13- تحفة الأسماع والأبصار،ج2،ص 970.